الثلاثاء، 11 يونيو، 2013

إشكاليات الاسم موشى في رواية سفر الخروج

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:
يبدأ سفرُ الخروجِ في الإصحاح الثاني بسرد قصةِ ولادةِ موسى عليه السلام من رجل وامرأة لاويين؛ ثم تضعه أمه على حافة النهر، فيصل الطفلُ قريباً من قصرِ الفرعون، فتأمر ابنةُ فرعون جاريتها أن تأتيها به، ثم تودع بنت فرعون الطفل عند امرأة من العبرانيين حتى يكبر وتعود به إلى بنت فرعون، فتدعو اسمه موشى قائلة إني انتشلته من الماء.
ونص التسمية جاء في خروج 2: 10 ويقول:
וַיִגְדַּ֣ל הַיֶּ֗לֶד וַתְּבִאֵ֨הוּ֙ לְבַת־פַּרְעֹ֔ה וַֽיְהִי־לָ֖הּ לְבֵ֑ן וַתִּקְרָ֤א שְׁמוֹ֙ מֹשֶׁ֔ה וַתֹּ֕אמֶר כִּ֥י מִן־הַמַּ֖יִם מְשִׁיתִֽהוּ
ويترجم كالآتي:
وكبر الولد وجاءت به إلى ابنة فرعون؛ فأصبح لها ابناً، ودعت اسمه موشى מֹשֶׁה "موشى" وقالت لأني من الماء انتشلته מְשִׁיתִֽהוּ "مِشِيتِهو"
فهنا ابنة فرعون تقول أنا أنتشلته "مشيتهو" فلذلك أسميه موشى؛ وهذه الطريقة في التسمية هي السائدة في العهد القديم كما هو معروف.
خلال هذه القصة نتوقف عند نقطتين مهمتين:
1- كيف تسمي ابنة فرعون مصر الولد الذي تتبناه باسم عبري؟!
2- هل الاسم موشى مناسب لسياق التسمية؟!
أولاً: لا يمكن أن يتخيل أحد أن ابنة الفرعون ستسمي الولد الذي سيعيش في قصرها وسيصير كابن لها = تسميه باسم عبري؛ فالمنطقي أن تسميه باسم مصري.
وللخروج من هذا المأزق اقترح البعض أن يكون من سمى الولد بهذا الاسم هي أم الولد وليست بنت فرعون؛ وبالتالي يكون منطقياً أن يكون اسمه بلغة الأم أي عبري؛ وهذا الكلام خاطئ لأن النص واضح في أن من أطلق الاسم هو نفسه من انتشل الولد من الماء وبالطبع المنتشِل لم يكن أخت موسى ولا أمه.
والعلماء اليوم يجمعون كما يقول هاميلتون على أن اسم الولد لابد أن يكون مصريا ويرجح أغلبهم أن يكون مشتقاً من كلمة مس والتي تعني ولد في اللغة المصرية القديمة فيقول فيكتور هاميلتون:
The consensus today is that “Moses” goes back to an Egyptian root ms “child,” mss “to be born.”[1]
الترجمة:
الإجماع اليوم على أن "موسى" يرجع لجذر مصري وهو مس "ولد" مسس "يلد".
وجاء في التعليق الهامشي لترجمة NET ما نصه:
The naming provides the climax and summary of the story. The name of “Moses” (מֹשֶׁה, mosheh) is explained by “I have drawn him (מְשִׁיתִהוּ, méshitihu) from the water.” It appears that the name is etymologically connected to the verb in the saying, which is from מָשָׁה (mashah, “to draw out”). But commentators have found it a little difficult that the explanation of the name by the daughter of Pharaoh is in Hebrew when the whole background is Egyptian (U. Cassuto, Exodus, 20).[2]
الترجمة:
"الاسم موسى "מֹשֶׁה موشى" شرح بـ "أنا انتشلته מְשִׁיתִהוּ مِشِيتِهو من الماء" فيبدو أن الاسم مرتبط اشتقاقيا من الفعل المذكور والمأخوذ من الجذر מָשָׁה "ينتشل" لكن قد وجد المفسرون قليلاً من الصعوبات في توضيح كيف يمكن لابنة فرعون أن تعطي الولد اسماً عبرية في حين الخلفية كلها مصرية!"
ثانيا: هل الاسم موشى مناسب لسياق التسمية؟
كما ذكرنا فإن النص يقول أن ابنة فرعون أطلقت عليه الاسم موشى لأنها انتشلته من الماء؛ والتشابه كبير بين كلمة موشى وفعل مِشِيتِهو الذي يعني انتشلته وهو من الجذر מָשָׁה "مَشا" أي انتشل؛ ومن خلال هذه القصة يتضح أن الاسم موشى يجب أن يعني منتشَل في صيغة اسم المفعول، وهو ما قد يقع ببال أغلب غير العارفين للعبرية؛ وقد زعم ذلك التفسير التطبيقي للكتاب المقدس فيقول:
"ولما كبر الولد، ردته إلى ابنة فرعون فتبنته ودعته موسى (ومعناه منتشَل)"[3] وهذا غير صحيح إذ إن كلمة موشى מֹשֶׁה تعني المنتشِل في صيغة اسم الفاعل وليس اسم المفعول كما يتطلب سياق القصة؛ واسم المفعول هو מָשׁוּי ويعني المنتشَل هو الصحيح وفقاً للسياق.
يقول هاميلتون:
In Hebrew the proper name “Moses” is a Qal active participle (masculine/singular) of the verb māšâ “to draw (out),” and hence is to be translated as “drawer out” or “he who draws out.”  ...If such were the case, we would expect the name given to the infant by the daughter of Pharaoh to be, not mošeh “he who draws out,” but māšūy “He who is drawn out,” i.e., a participle that is passive in form.[4]
في العبرية الاسم موسى هو اسم فاعل مجرد "مفرد مذكر" من الفعل مشا "ينتشل" فالاسم يجب أن يترجم المنتشِل أو الشخص الذي ينتشِل؛ وبالتالي فنحن كنا نتوقع أن يكون الاسم المعطى للطفل ليس موشى بل ماشوي "المنتشَل" أي اسم مفعول.
وجاء في A Handbook on Exodus׃
She named him Moses, probably an Egyptian name based on the Egyptian mose, meaning “son of.” But as the 2:10 TEV footnote points out, Moses sounds like the Hebrew for “pull out.” The Hebrew form of the name is Mosheh, a participle meaning “one who pulls out” rather than “one who is pulled out,” which would be mashuy.[5]
الترجمة:
"ودعت اسمه موسى؛ ربما هو اسم يرجع للجذر المصري موس ويعنى ابن؛ لكن وفقاً للتعليق الهامشي لترجمة TEV على النص ويشير إلى أن الاسم يشبه "انتشل" في اللغة العبرية، الصيغة العبرية للاسم موشى هي اسم فاعل ويعني "الشخص الذي ينتشل" وليس "الشخص المنتشَل" والذي تعني ماشوي".
ويقول J. K. Hoffmeier في دائرة المعارف العالمية القياسية للكتاب المقدس:
It might be expected that Moses’ name would appear in the passive form since he was “drawn out” of the water. In fact it is written in the active voice (mōšeh).[6]
الترجمة:
"كان متوقعاً أن يظهر اسم موسى في صيغة اسم المفعول حيث إنه منتشَل من الماء، في الحقيقة الاسم موجود في صيغة اسم الفاعل موشى".
وفي التعليق الهامشي على النص في ترجمةNET  نقرأ:
the Hebrew spelling of the name is the form of the active participle (“the one who draws out”); to be a precise description it should have been spelled מָשׁוּי (mashuy), the passive participle (“the one drawn out”).[7]
الترجمة:
"الهجاء العبري للاسم يعطينا صيغة اسم الفاعل "الشخص الذي ينتشِل"  لكن الاسم بصورة دقيقة كان يجب أن يكون מָשׁוּי ماشوي، أي في صيغة اسم المفعول ليكون المعنى "الشخص المنتشَل".
وخلاصة كل هذه الاقتباسات أن الرواية بها عدة مشكلات وهي:
1-        لا يمكن أن تدعو ابنة فرعون الولد باسم عبري خلافاً لما يزعمه كاتب الرواية.
2-        صيغة الاسم موشى لا تتوافق مع الرواية وكان يجب أن يكون الاسم ماشوي ليتناسق مع الرواية.
وهذا الخلل هو نتاج عصور طويلة من التلاعب والتغيير والتحريف الذي لا يعلم مداه إلا الله وحده سبحانه وتعالى؛ والحمد لله متم النعمة.




[1] Victor P. Hamilton, "1254 מֹשֶׁה", Theological Wordbook of the Old Testament, ed. R. Laird Harris, Gleason L. Archer, Jr. and Bruce K. Waltke, electronic ed. (Chicago: Moody Press, 1999). 530.
[2] Biblical Studies Press, The NET Bible First Edition Notes (Biblical Studies Press, 2006). Ex 2:10.
[3]  التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ص 132.
[4] Victor P. Hamilton, "1254 מֹשֶׁה", Theological Wordbook of the Old Testament, ed. R. Laird Harris, Gleason L. Archer, Jr. and Bruce K. Waltke, electronic ed. (Chicago: Moody Press, 1999). 529-30.
[5] Noel D. Osborn and Howard A. Hatton, A Handbook on Exodus, UBS Handbook Series (New York: United Bible Societies, 1999). 36.
[6] The International Standard Bible Encyclopedia, Revised, ed. Geoffrey W. Bromiley (Wm. B. Eerdmans, 1979–1988). 417.
[7] Biblical Studies Press, The NET Bible First Edition Notes (Biblical Studies Press, 2006). Ex 2:10.

هناك تعليقان (2) :

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تسلم يا احمد

    سبينوزا كان المح في رسالته الي مثل هذه الامور التي تحليلها شيء بسيط جدا

    موسى لم يكتب التوراة

    ولم تكتب التوارة في زمنه او زمن لاحق له اصلا

    التوراة عمل ادبي بحت من وضع احبار اليهود وقصاصيهم وليست فيها اي ملامح الهية او نبوية الا البصيص منها

    انتجت في فترات كبيرة بيد اكثر من كاتب حتى صيغت هكذا في شكلها الاخير

    نظرة الاصوليين للتوراة باعتبار انها من كتابة موسى عليه السلام اصبحت متخلفة جدا وسخيفة جدا جدا

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
      الله يسلمك يا غالي.
      أحسنت فيما تكلمت به.

      حذف