الأربعاء، 16 ديسمبر، 2015

التثنية 25: 12 فاقطع يدها، ولا تشفق عينك... بين جهالات المنصرين ومذاهب التفسير اليهودي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



منذ فترة قليلة جدا كنت اتحاور مع احدهم بشأن هذا النص :

" اذا تخاصم رجلان بعضهما بعضا رجل و اخوه و تقدمت امراة احدهما لكي تخلص رجلها من يد ضاربه و مدت يديها و امسكت بعورته فاقطع يديها و لا تشفق عينك " سفر التثنية 25 : 11-12

واذ به يحيلني الي رابط لاحد مواقع الدعارة الفكرية التنصيرية تتناول هذا النص وتصل بنا في النهاية الي ان غاية العقوبة في هذا الامر هي التعويض المادي وانه لا يستلزم ان يتم قطع يد المرأة، اذ يستخلص – المسكين – النتيجة الاتية :

"

فيفهم البعض ان النص هو اشاره الي العقاب البدني او اصابة المخطئ . لكن القانون العام والواقع يحكم ان الجاني يدفع غرامة مالية .ولا تحكم بوجود أي عقاب بدني "


قلت : وهذه النتيجة التي يضعنا امامها هذا النصراني قفزت مرة واحدة متخطية التاصيل الذي يجب من المفترض ان نمر عليه حتي نصل لها في النهاية، فلم يخبرنا هذا النصراني ان العقاب بالتعويض المادي هو نتيجة تفسير رمزي للنص ام ان هذا النص ورد في التوراة مرة اخرى بتفصيل اكثر ذلك وصرح بالتعويض المادي صراحة ام انه هناك احتمال ثالث او رابع ... الخ

في البداية قبل كل ذلك يجب عرض اقتباس مهم للرابي يهوذا عتصيون יהודה עציון عن هذا النص، فيقول :

The law that “You shall cut off her hand” (Devarim 25:12) is similar to the law of “An eye for an eye, a tooth for a tooth, an arm for an arm, a leg for a leg, a burn for a burn, a wound for a wound, a bruise for a bruise” (Shemot 21:24-25) – or, as formulated elsewhere, “If a person maims his neighbor, then as he has done, so shall be done to him: a breach for a breach, an eye for an eye, a tooth for a tooth. As he has maimed someone else, so shall be done to him” (Vayikra 24:19-20). The similarity between the two laws lies in the fact that in both cases the plain meaning of the text in the Written Law indicates corporal punishment for maiming or wounding another person, while the Oral Law establishes that the offender pays a monetary fine, with no corporal punishment administered.
 
 الترجمة:

هذه الشريعة " فاقطع يدها " مشابهه للشريعة الاخرى " عين بعين وسن بسن و يدا بيد و رجلا برجل و كيا بكي و جرحا بجرح و رضا برض " سفر الخروج 21، او كما هو موجود في غير موضع في العهد القديم " و اذا احدث انسان في قريبه عيبا فكما فعل كذلك يفعل به كسر بكسر و عين بعين و سن بسن كما احدث عيبا في الانسان كذلك يحدث فيه " اللاويين24 .

والتشابه بين الشريعتين يكمن في ان الحقيقة ان كلا الحالتين تشير في الشريعة المكتوبة – التوراة –الي عقاب جسماني لمن يجرح او يشوه شخص اخر، بينما تشير الشريعة الشفوية – كالتلمود -  الي ان الشخص الجاني يقوم بدفع تعويض مالي للمجني عليه دون ان تطوله عقوبة جسمانية مماثلة . اهـ


اذا، فنحن امام مصدرين للشريعة عند اليهود : شفوية ومكتوبة 


فالشريعة المكتوبة او" هتوراه شبختاف " اي كتاب العهد القديم باسفاره المعروفة اما الشريعة الشفوية اوالتوراة الشفوية " هتوراه شبعال بيه " وهي الشريعة التي يزعم اليهود العبرانيين وما شايعهم التي تلقاها سيدنا موسى والانبياء وسلفهم من الله سبحانه وتعالى شفويا كالتلمود والهجادا والهلاخاه.

وكلا المصدرين له عقابه الذي يحدده، فلقد رأينا ما تقوله التوراة المكتوبة آنفا في النصوص وهي تقر بوضوح بعقاب جسماني، وقد خالفها في ذلك الشريعة الشفوية التي تقول بعكس ذلك وبالتحديد في المشناة على النحو التالي :


  [2]

الترجمة : واذا مس شخص شخصا اخر بسوء يكون مدين له بالتعويض عن الخمسة اشياء الاتية : الاضرار، الالم، الاذي الذي ينتج عنه علاجا طبيا، العجز، الاهانه وهتك العرض


وهذه الاخيرة هي المضحكة اذ ان النصراني ترجمها الي " العار " اعتمادا على ما ورد في الموقع الذي نقل منه والذي ترجم الكلمة العبرية בושת الي shame والتي ترجمها النصراني ذلك بكل سذاجة الي عار وهذا خطا فالكلمة تعني هتك العرض او الاهانه او degradation باللغة الانجليزية.

المهم نعود لموضوعنا .... كلا المصدرين عند اليهود العبرانيين وحي الهي لذلك نجد ابن ميمون يستشهد باحدهم، وابراهام بن عزرا بالاثنين سويا !! 

لذلك لابد وان نبحث المسألة بشكل أفضل، ولذلك نعود مرة اخرة ليهودا عتصيون الذي يقول :

As noted, the halakhic tradition, based on the Oral Law, supplants the corporal punishments set forth in the Written Law for wounding a fellow human being with monetary payment, which is one of the most pronounced discrepancies between the Written Law and the Oral Law.  The commentators grapple with this challenge, reinterpreting the verses so as to resolve them with normative Halakha.  For example, Rashbam (Shemot 21:24 s.v. Ayin) and Rav Sa’adia Gaon (as cited by Ibn Ezra ha-Arokh ad loc. s.v. Ayin)  explain the word “tachat” (“in place of,” as in the expression “an eye in place of an eye”) as referring to monetary payment...... Ibn Ezra himself understands the verses as indicating that the perpetrator deserves to forfeit “an eye for an eye” if he fails to pay the proper compensation.

Aside from the significant textual and linguistic difficulty with the claim that these words in the Torah refer to monetary payment, it is clear that if the Torah had sought to indicate the obligation of monetary compensation, it could have done so in a far simpler and clearer manner. Indeed, nowhere do these verses so much as mention money or a fine. Clearly, then, the plain meaning indicates a corporal punishment.
[3]

الترجمة : فكما نلاحظ، التقليد في الهلاخاه يرتكز على الشريعه الشفوية والتي تستبدل العقاب البدني المنصوص عليه في التوراة بالتعويض المالي ، وذلك يعد واحدا من اكثر التناقضات بين الشريعة المكتوبة والشريعة الشفوية، ولقد تعامل المفسرين مع تلك الاشكالية باعادة تفسير هذه النصوص بحل توافقي مع ما ورد في الهلاخاة، فعلي سبيل المثال قام رشبام ( شموئيل بن مئير ) وسعاديا الفيومي بتفسير كلمة " תַּחַת " لتشير الي التعويض المادي .... وقد فسر ابراهام بن عزرا نفسه النص على ان المعتدي عليه تفقع عليه هو الاخر اذا لم يدفع التعويض المالي المناسب .

وبغض النظر عن الخطورة النصية و والصعوبة الكبيرة التي تقول ان هذه الكلمة الموجودة في التوراة في نص الخروج تشير الي التعويض المادي فانه من الواضح اذا كانت التوراة قد سعت في الاشارة الي التعويض المادي فانه كان من الاسهل والاوضح ان تسخدم طريقة تعبر فيها عن ذلك بطريقة اكثر وضوحا
فبالطبع لا مكان بالمرة لان يقال ان هذه الفقرات قد اشارة الي التعويض المالي او غرامات تدفع ، اذا فبكل وضوح فالمعني يشير الي العقاب الجسماني

فكما راينا فالموضوع فيه تناقض بين الشريعة المكتوبة اي التوراة وبين ما هو مكتوب في التلمود وذلك ما يفسر لجوء ابراهام بن عزرا لحل وسط للجمع بين الاثنين او كما فعل بن مئير والفيومي بمحاولة تفسير الكلمة لحملها على محمل التعويض المادي ولكنه تفسير بعيد ولا يجوز لا نصيا ولا لغويا
 
وهذا يعود بنا لشيء منهجي لم يعرفه هذا النصراني في اصول مباديء تفسير التوراة عند اليهود العبرانيين فلم يستخدمه لتقصي الموضوع من بدايته واخذه بطريقة سطحية دون اي منهجية علمية 

هناك ثلاثة مباديء في اصول التفسير في مثل هذه المواقف عند اليهود وهي :

-         الشرح والتطبيق Concretization
وهو ما يتم من خلاله تطبيق احكام الشريعة المكتوبة بصورة واسعه على جميع مناحي الحياة وخصوصا الاشياء التي لم تذكر في العهد القديم
-         الجزء التطبيقي Formalization   وهو ما يتخص بفصيل احكام الشريعه وتفسيرها وآلية تطبيقها
-         الجمع بين التناقضات Synthesis of Contradiction وهو الجمع بين النصوص المضطربة في ظاهرها وباطنها وهو ما نتحدث عنه في هذا
ولو كان فهم هذا النصراني ذلك المبدأ الاخير لعرف من اين تؤكل الكتف في هذا الموضوع، وهذا ما يلخصه الرابي امنون بيتزاك

In the previous shiur we noted that “an eye for an eye” may well have been originally understood to require commensurate physical punishment for the infliction of injury. We concluded by asking why, from the time of Chazal onwards, Jewish tradition has interpreted the verse to be referring to financial restitution.
It would seem that we can understand the reason for the change in light of a principle set forth by Rav Avraham Yitzhak Ha-kohen Kook
Rav Kook's argument that halakha can and must change in accordance with the circumstances of each generation is unquestionably shared by the Rambam in his Guide of the Perplexed
[3]

بينما تكلمنا في الدرس السابق لاحظنا ان " العين بالعيم " تشير الي ما قد يتطلب عقاب بدني لتعويض الاذي بالمقابل، ولكن في نفس الوقت لاحظنا ان تقاليد الربانيم - خارج التوراة - تفسر النص بانه يطلب التعويض النقدي لا العقاب البدني
ويبدو اننا نستطيع ان نفهم سبب هذا الاختلاف في ضوء المباديء التي نص عليها الرابي ابراهام اسحاق ها كوهين
فالرابي ابراهام يتفق في ان الهلاخاه يجب ان تتغير وفقا لظروف كل جيل و على حسب متطلبات العصر وهذا ما نص عليه موسى ابن ميمون في دلالة الحائرين

وهذا هو الاقتباس[4] من دلالة الحائرين لموسي بن ميمون المشار اليه :



 ويعلق امنون :

Here the Rambam addresses the need for the Sanhedrin to apply the Torah in changing 
circumstances possible misunderstanding.
[5]

الترجمة : وهنا يعالج ابن ميمون – رامبام – الحاجة لوجود السنهدرين لتطبيق نصوص التوراة في ظروف واوقات متغيرة .
 


ويقول الرابي مردخاي بروير :

We find no other instance where the Oral Law deviates from the Written Law ..... "The Written Law expresses the punishment that is ‘appropriate’ to administer for the physical maiming, while the Oral Law expresses the compensation for the monetary loss. Since it is impossible to carry out both judgments simultaneously, the Sages ruled that the monetary restitution takes preference over the corporal punishment". However, this explanation raises the obvious question: if the Written Law stipulates that corporal punishment takes preference, then why do Chazal reverse this? According to the explanation we have proposed, the reason for their innovation is understandable, since it is a response and reflection of changing circumstances.
[6]


الترجمة : ومثال على الاختلاف بين الشريعه المكتوبة والشريعه الشفوية ... فالشريعة المكتوبة تحدد العقاب الكافي للمعاقبة بخصوص الايذاء البدني، بينما تحدد الشريعة الشفوية العقاب الكافي لذلك عن طريق التعويض المادي، وبما انه من المستحيل تنفيذ كلا الحكمين كل حكم بمفرده على حدا في نفس الوقت فان الفقهاء والعلماء فضلوا التعويض المادي عن العقاب البدني ، ولكن هذا التفسير يثير تساؤلا : اذا كانت الشريعه المكتوبة تقضي بتحقيق العقاب البدني وتعطيها الافضلية، فلماذا تشير تفسيرات الربانيم واقوالهم الي عكس ذلك ؟ وفقا لذلك التفسير المقدم فان السبب وراء هذا التجديد امر سهل الاستيعاب ذلك بان هذا تم استجابة وانعكاس للظروف الطارئة والمتغيرة .



 فلا اعتقد ان الموضوع يحتاج توضيح بعد كل هذا، وكما هو ظاهر فان اقوال المفسرين التي اعتمد عليهم كانوا بالاساس يعتمدون على قاعدة synthesis of contradiction والتي هي قاعدة تستخدم بالاساس للجمع بين نقيضين


ومن الطرائف ان تكون التناقضات بين نص في التوراة ونص في اقوال الربانيم وان يكون النصراني متمسك باقوال اليهود وتاركا لقول التوراة .... فكم كان ذلك ام ممتع ان اري احد المنصرين يفر من الرد على سؤال ولا يجد سوي ترك التوراة ونصوصها التي يؤمن بها ويتمسك باقوال طالما انكروها وقالوا انها ليست حجة علينا


على اي حال ليست مشكلتي مع هذا النصراني حول ما هي العقوبة التي يجب ان تنفذ، فهو امر لا يهمني وانما مشكلتي معه بالاساس علمية وقد بينا كيف انه دلس وتكلم فيما لا يعلم


ولا يتبقي لي الا ان أسأله سؤالين :

- هل اصبحت الان اقوال حاخاميم اليهود في التلمود والهاجاداه وغيرها من كتبهم التراثية يعتد بها عندكم وبمثلها يقام بها الحجة على نصوص التوراة ؟

- هل انتم بؤمنون بان التوراة بها احكام تم تغييرها والغاؤها بواسطة الشريعه الشفوية - كما يقول ابن ميمون الذي استشهدتم به - بتغييرها واحلال احكام جديدة مكانها ولذلك نتيجة تغير الظروف والاوقات والازمنة ؟

اعتقد انه من حقنا سماع اجابة هذه الاسئلة البريئة

والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون 


tarek.ahmed.ezzeldin@gmail.com
________________________________

[1]

Rock, Rav Yehuda. "An Eye for an Eye." In Alei Etzion.
 
[2]


תלמוד בבלי - מסכת בבא קמא - פרק א

[3]
 Bazak, Amnon. "Peshat and Midrash Halakha." In Fundamental Issues in the Study of Tanakh. VBM, 2013.


 [4]
 دلالة الحائرين 3/40

[5]
Bazak, Amnon. "Peshat and Midrash Halakha." In Fundamental Issues in the Study of Tanakh. VBM, 2013

[6]
Ibid.
إقرأ المزيد Résumé bloggeradsenseo